سيد قطب

1950

في ظلال القرآن

فهناك حبكة بين التقدمة للقصة والتعقيب عليها ؛ ظاهر منها نزول التقدمة مع القصة والتعقيب . أما الآية السابعة فالسياق لا يستقيم بدونها أصلا ؛ ولا يتأتى أن تكون السورة قد نزلت في مكة وهي ليست من سياقها ثم أضيفت إليها في المدينة ! ذلك أن في الآية الثامنة ضميرا يعود على يوسف وإخوته في هذه الآية السابعة ، بحيث لا يستقيم نزول الآية الثامنة دون أن تكون معها الآية السابقة . وهذا نصها : « لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ . إِذْ قالُوا : لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ، إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . . مما يقطع بأن الآيتين نزلتا معا ، في سياق السورة الموصول . والسورة كلها لحمة واحدة عليها الطابع المكي واضحا في موضوعها وفي جوها وفي ظلالها وفي إيحاءاتها . بل إن عليها طابع هذه الفترة الحرجة الموحشة بصفة خاصة . . ففي الوقت الذي كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يعاني من الوحشة والغربة والانقطاع في جاهلية قريش - منذ عام الحزن - وتعاني معه الجماعة المسلمة هذه الشدة ، كان اللّه - سبحانه - يقص على نبيه الكريم قصة أخ له كريم - يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم صلوات اللّه وسلامه أجمعين - وهو يعاني صنوفا من المحن والابتلاءات : محنة كيد الإخوة . ومحنة الجب والخوف والترويع فيه . ومحنة الرق وهو ينتقل كالسلعة من يد إلى يد على غير إرادة منه ، ولا حماية ولا رعاية من أبويه ولا من أهله . ومحنة كيد امرأة العزيز والنسوة ، وقبلها ابتلاء الإغراء والشهوة والفتنة ! ومحنة السجن بعد رغد العيش وطراوته في قصر العزيز . ثم محنة الرخاء والسلطان المطلق في يديه ، وهو يتحكم في أقوات الناس وفي رقابهم ، وفي يديه لقمة الخبز التي تقوتهم ! ومحنة المشاعر البشرية وهو يلقى بعد ذلك إخوته الذين ألقوه في الجب وكانوا السبب الظاهر لهذه المحن والابتلاءات كلها . . هذه المحن والابتلاءات التي صبر عليها يوسف - عليه السلام - وزاول دعوته إلى الإسلام من خلالها ، وخرج منها كلها متجردا خالصا ؛ آخر توجهاته ، وآخر اهتماماته ، في لحظة الانتصار على المحن جميعا ؛ وفي لحظة لقاء أبويه ولم شمله ؛ وفي لحظة تأويل رؤياه وتحققها كما رآها : « إذ قال يوسف لأبيه : يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر . رأيتهم لي ساجدين » . . آخر توجهاته وآخر اهتماماته في هذه اللحظة هي التوجه المخلص المتجرد المنيب إلى ربه ، منخلعا من هذا كله بكليته كما يصوره القرآن الكريم : « فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ، وَقالَ : ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ . وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ، وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً . وَقالَ : يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا ، وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ، وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ، إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ ، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . . رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ، وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ، فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، تَوَفَّنِي مُسْلِماً ، وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » . . وهكذا كانت طلبته الأخيرة . . بعد ذلك كله وهو في غمرة السلطان والرخاء ولمة الشمل . . أن يتوفاه ربه مسلما ، وأن يلحقه بالصالحين . . وذلك بعد الابتلاء والمحنة ، والصبر الطويل والانتصار الكبير . . فلا عجب أن تكون هذه السورة . بما احتوته من قصة ذلك النبي الكريم ، ومن التعقيبات عليها بعد ذلك ، مما يتنزل على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والجماعة المسلمة معه في مكة ، في هذه الفترة بالذات ، تسلية وتسرية ، وتطمينا كذلك وتثبيتا للمطاردين المغتربين الموحشين ! لا بل إن الخاطر ليذهب بي اللحظة إلى الإحساس بالإيحاء البعيد بالإخراج من مكة إلى دار أخرى يكون